الڭراب
من بين الرموز الكثيرة التي تميز التراث المغربي، تبرز شخصية الگرّاب كواحدة من أكثر الشخصيات لفتًا للانتباه وأعمقها دلالة ثقافية. يرتدي لباسًا أحمر زاهيًا، ويضع قبعة كبيرة مزينة بخيوط صوفية متعددة الألوان، ويحمل كؤوسًا نحاسية وقربة جلدية للماء. يمثل الگرّاب صفحة حية من تاريخ المغرب، ورغم أن المهنة اختفت تقريبًا في العصر الحديث، إلا أن قيمتها الثقافية لا تزال راسخة في الهوية المغربية.
تاريخيًا، كان الگرّاب يؤدي دورًا أساسيًا في الحياة اليومية. فقبل انتشار شبكات المياه الحديثة وأنظمة السباكة، لم يكن الحصول على ماء الشرب أمرًا سهلاً، خاصة داخل المدن العتيقة والأسواق المزدحمة. كان الگرّاب يتجول في الأزقة والساحات العامة حاملاً قربة جلدية مملوءة بالماء العذب، ويقدم الماء للناس مقابل مبلغ بسيط. لم يكن وجوده مجرد خدمة عملية، بل كان يمثل طمأنينة للناس، لأنه يوفر حاجة أساسية في وقت لم تكن فيه المياه متاحة بسهولة.
انتشرت مهنة الگرّاب بشكل خاص في مدن مغربية كبرى مثل مراكش وفاس. ففي هذه المدن التاريخية، كانت الأسواق الشعبية والساحات تعج بالناس، مما خلق حاجة كبيرة لبائعي الماء المتجولين. ومن أشهر الأماكن التي كان يظهر فيها الگرّاب — ولا يزال يظهر إلى اليوم — ساحة جامع الفنا الشهيرة في مراكش. هناك، تحولت شخصية الگرّاب من بائع ماء إلى رمز فولكلوري وثقافي يلتقط معه السياح الصور، في مشهد يعكس استمرارية التراث.
اللباس المميز للگرّاب ليس مجرد زينة عشوائية، بل يحمل دلالات عملية وثقافية. فاللون الأحمر يمنحه وضوحًا في الأماكن المزدحمة، ويضفي عليه حضورًا قويًا. أما القبعة العريضة المزخرفة بالخيوط الصوفية، فهي تحميه من حرارة الشمس وتعكس في الوقت نفسه غنى الفنون التقليدية المغربية. وتصدر الأجراس والكؤوس النحاسية المعلقة على صدره صوتًا مميزًا كان قديمًا ينبه الناس إلى وجوده. كل عنصر من عناصر مظهره يحكي قصة عن الحرف اليدوية والتقاليد وروح الحياة الشعبية.
ومع تطور المدن وظهور النوافير العمومية ثم شبكات المياه المنزلية، تراجع الدور العملي للگرّاب بشكل تدريجي. لم تعد الحاجة إليه كما كانت في الماضي، مما أدى إلى اندثار المهنة تقريبًا. ومع ذلك، لم تختفِ الشخصية تمامًا، بل تكيفت مع التحولات الحديثة. اليوم، يظهر الگرّاب في الفضاءات السياحية كرمز من رموز التراث، محافظًا على ذاكرة مهنة قديمة شكلت جزءًا مهمًا من الحياة الحضرية المغربية.
كما تعكس شخصية الگرّاب قيمًا عميقة في المجتمع المغربي. فقد كانت مهنته قائمة على خدمة الناس والتواصل المباشر مع مختلف فئات المجتمع. كان يتنقل بحرية بين الجميع، مقدّمًا الماء لكل من يحتاج إليه. والماء في الثقافة المغربية ليس مجرد مورد عادي، بل يحمل رمزية خاصة، باعتباره مصدر حياة وبركة. لذلك كان من يقدمه يحظى بمكانة محترمة داخل المجتمع.
في السنوات الأخيرة، ازداد الاهتمام بالحفاظ على التراث الثقافي غير المادي في المغرب، سواء من خلال توثيق الحرف التقليدية أو إحياء الفنون الشعبية. ويُعدّ الگرّاب مثالًا واضحًا على كيفية تحول مهنة بسيطة إلى رمز ثقافي وطني يعكس عمق التاريخ المغربي وتنوعه.
واليوم، حين يلتقط الزوار الصور مع الگرّاب في ساحة جامع الفنا، فهم لا يلتقطون مجرد صورة ملونة، بل يتفاعلون مع رمز من رموز الصمود والتكيف والاستمرارية. إن الگرّاب يذكرنا بأن أبسط المهن في الماضي كان لها دور أساسي في تشكيل الحياة اليومية، وأن التراث ليس مجرد ذكرى، بل هو هوية حية تنتقل من جيل إلى جيل.
